عاصفة النار تضرب المنطقة برمّتها، ومداها يبدو مفتوحاً، والصورة تبدو جهنّمية بعد الضربة الأميركية - الإسرائيلية المشتركة لإيران واغتيال المرشد علي خامنئي. تزنّرها أسئلة عميقة حول طبيعة هذه الحرب وأسبابها ودوافعها الحقيقية. الواضح الوحيد في هذه الصورة، هو أنّ هذه الحرب تختلف عمّا سبقها من حروب، وتتقاطع التقديرات على وصفها بحرب وجودية، ما زالت في بداياتها، ومن الصعب تقدير امتداداتها، أو تخيُّل آثارها، وما هو مُدبَّر خلفها، وما قد يَنتُج منها من تحوّلات ومتغيّرات في منطقة الشرق الأوسط بصورة عامة.
كما كان متوقعاً، تشاركت الولايات المتحدة وإسرائيل في عملية عسكرية واسعة النطاق ضدّ أهداف استراتيجية في إيران، أكّد الجانبان أنّها نتاج تنسيق وتخطيط لأشهر بينهما. وشاركت فيها مئات الطائرات الحربية واستهدفت مئات الأهداف الإيرانية على امتداد المساحة الإيرانية، ولاسيما في طهران، التي تعرّضت لجولات متتالية من الغارات الجوية والصاروخية، كانت أعنفها في لحظة البداية، التي أسفرت عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد كبير من القادة العسكريِّين الإيرانيِّين، وكمّ كبير من المدنيِّين.
وقابل ذلك ردّ صاروخي إيراني، بدأ مع بداية الضربة الأميركية- الإسرائيلية، وتركّز بشكل عنيف على المدن الإسرائيلية، خصوصاً حيفا وتل أبيب، فأفيد عن أضرار كبيرة وسقوط قتلى وجرحى، وأيضاً على القواعد العسكرية الأميركية في دول الخليج، ولاسيما في السعودية، الإمارات، الكويت، قطر، البحرين، الأردن، والعراق (وأربيل)، وصولاً بالأمس إلى القاعدة البريطانية في قبرص. وأعلن الحرس الثوري الإيراني عن استهداف حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» بأربعة صواريخ باليستية، لكنّ الجيش الأميركي نفى إصابتها أو وصول أي صاروخ إليها. فيما أعلن الجيش الأميركي عن إغراق سفينة إيرانية في خليج عمان. وأعلنت القيادة المركزية الأميركية مقتل 3 من أفراد الخدمة إثناء القتال، وإصابة 5 آخرين بجروح خطيرة، في إطار عملية «الغضب الملحمي». وأشارت في بيان إلى «إصابة عدد آخر بجروح طفيفة جراء الشظايا وارتجاجات في المخ، وهم الآن في طور العودة إلى الخدمة».
حرب اللاعودة
التطوّرات تتلاحق بوتيرة سريعة، وتتراكم بوتيرة أسرع، يصعب معها اللحاق بالأحداث وبما يحوطها من مستجدات، قد تنطوي على ما تصفها بعض التقديرات، بـ«مفاجآت تقلب الصورة القائمة رأساً على عقب، وتفرض وقائع وقواعد جديدة ليس فقط على مستوى إيران، بل على مستوى المنطقة». ويتقاطع هذا التقدير مع تحليل منسوب إلى مسؤول أممي كبير، يوضح فيه «إنّ الحرب القائمة حالياً، بين معسكرَين، وجود أي منهما لا يسود بوجود الآخر، وبمعنى أوضح حياة معسكر مرتبطة بفناء المعسكر الآخر. هي حرب اللاعودة، وبمعزل عن طابعها العسكري، أو السياسي وتناقضاته العميقة، فإنّها حرب عمقها ديني، ويُقرأ ذلك بوضوح من إطلاق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تسمية «درع يهودا» على العملية العسكرية ضدّ إيران. قبل أن يتراجع عن هذه التسمية بطلب من الأميركيِّين، واستبدله بـ«زئير الاسد».
قلق من تدخّل
وإذا كانت كل دول المنطقة تتشارك الخوف من الحرب وتداعياتها السلبية، والخشية من تعرّضها لإصابات مباشرة أو غير مباشرة سياسية وعسكرية وغير ذلك، إلّا أنّ لبنان يقع في مقدّمة حلبة رصد التطوُّرات وترقُّب الاحتمالات والسيناريوهات. ومع بداية هذه الحرب تمَوضَع في موقعه الطبيعي التضامني مع الدول العربية التي استهدفتها إيران. وبحسب إعلان رسمي، فإنّ رئيس الجمهورية جوزاف عون أجرى اتصالات مع قادة الدول العربية التي استهدفها القصف الإيراني، معرباً عن استنكار لبنان رئيساً وشعباً للإعتداءات التي استهدفت سيادة دولهم واستقرارها وأمنها، مؤكّداً التضامن مع الدول الشقيقة المستهدفة ومع شعوبها».
على أنّ لبنان صاحب التجارب الحربية المريرة، قد يكون المنطقة الأعلى مستوى في القلق من تمدُّد الحرب إليه، وخصوصاً أنّ موقف «حزب الله» غامض، وأكثر من مصدر داخلي يرى أنّ تدخُّله لإسناد إيران احتمال قوي جداً، إلّا أنّ هذا الأمر، أي تكرار «حزب الله» لتجربة الإسناد، قد تترتّب عليه مآسٍ على لبنان، وربما على نطاق أوسع ممّا كان عليه في تجربة الإسناد السابقة.
ويبرز في هذا السياق، ما أعلنته رئاسة الجمهورية، بأنّ الرئيس جوزاف عون، تلقّى عبر السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى رسالة من إدارته، تؤكّد أنّ «الجانب الإسرائيلي ليس في وارد القيام بأي عمل تصعيد ضدّ لبنان طالما لا أعمال عدائية من الجهة اللبنانية».
تأجيل المؤتمر
وفي سياق الإرتدادات السلبية على لبنان، أكّد مصدر مسؤول لـ«الجمهورية»، خشيته من «أن تكون التطوّرات الحربية التي اندلعت آخر شباط الماضي، وقبل أقل من أسبوع على انعقاد مؤتمر دعم الجيش اللبناني في العاصمة الفرنسية، قد خسّرت لبنان هذه الورقة في الوقت الراهن»، مضيفاً: «لم يصدر أي إعلان رسمي حتى الآن، لا حول المضي في عقد المؤتمر في 5 آذار، أو حول العدول عن هذا الأمر في الوقت الراهن وتأجيله إلى موعد يُحدَّد لاحقاً».
إلّا أنّ هذا الأمر، شهد تطوّراً لافتاً حياله، خلال اتصال جرى أمس، بين الرئيس عون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تناولا خلاله آخر المستجدات التي تؤثر على أمن المنطقة بأسرها، بما في ذلك الدول الصديقة. وقد اتخذ الرئيسان معاً قراراً بتأجيل المؤتمر الدولي لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي اللبنانية، الذي كان مقرّراً انعقاده في الخامس من آذار في باريس، إلى شهر نيسان المقبل، لأنّه لم تتوافر الظروف الملائمة للإبقاء على موعده المحدَّد. وأكّد الرئيسان خلال الاتصال، أنّ خطورة الوضع الإقليمي الراهن تُعزِّز ضرورة الحفاظ على استقرار لبنان، ودعم مؤسساته الشرعية، وضمان استعادة سيادته الكاملة. وتمّ التأكيد على أنّ فرنسا ولبنان وشركاءهما سيواصلون في مجموعة الخماسية جهودهم في هذا الاتجاه.
مجلس الدفاع يطمئن
في سياق متصل، عقد المجلس الأعلى للدفاع أمس، اجتماعاً في القصر الجمهوري في بعبدا، واستهلّه رئيس الجمهورية بعرض سريع للأوضاع الإقليمية الراهنة على أثر التطوّرات الخطيرة المستجدة، وتوقف عند مقتل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية السيد علي خامنئي، في غارة إسرائيلية، بما يمثله في بلاده وخارجها. وتوجّه رئيس الجمهورية بصادق العزاء إلى كل البلدان التي أصابتها التطوُّرات الأليمة، كما بالتضامن الأخوي مع الدول العربية، والشجب الكامل لاستهداف مواطنيها ومنشآتها المدنية. كما شدّد على أنّ ما سبق، يُظهر مجدداً، الإجماعَ الوطني، على أنّ «قرار الحرب والسلم، هو في عهدة الدولة اللبنانية وحدها، تمارسه عبر مؤسساتها الدستورية حصراً. وهو ما تَوافق عليه الجميع، وعبّرت الدولة عنه خير تعبير، في خطاب القَسَم الرئاسي، كما في البيان الوزاري للحكومة الحالية».
كما شدّد رئيس الحكومة نواف سلام على «أهمّية وضع مصلحة اللبنانيِّين فوق أي حساب، وضبط الوضع الأمني والميداني جنوباً وشرقاً، وعدم السماح بأي خلل». ومن جهة أخرى، شدّد رئيس الحكومة على ضبط الأسعار والكمّيات للسلع والمواد الغذائية والمحروقات، كما أكّد متابعة ما أُقرّ في الاجتماعات التي عقدها أمس مع الوزارات والمؤسسات المعنية، لا سيما لجنة إدارة الكوارث والهيئة العليا للإغاثة، مع الإشارة إلى أنّ الحكومة كانت جاهزة، وسبق أن اتخذت التدابير كافة في حال اندلاع الحرب. وبناءً عليه، بوشِر بالإجراءات والتدابير المتخذة. هذا بالإضافة إلى أنّ الوزارات تتابع، مع المنظمات الدولية المعنية، تأمين الحاجات الملحّة والمناسبة.
وفي بيان حول الاجتماع «ناقش المجلس الأعلى للدفاع التطوّرات الأمنية والعسكرية المختلفة والأوضاع الداخلية. وبعد الاستماع إلى الوزراء المعنيِّين ورؤساء الأجهزة العسكرية والأمنية، وبنتيجة المداولات أعلن المجلس ما يلي:
1- يُهيب المجلس باللبنانيِّين جميعاً، مسؤولين ومواطنين، التشبُّث بالتزامهم بحسّ المسؤولية الوطنية العليا، في هذه الظروف الدقيقة. وذلك على أصعدة حياتهم كافة، حفاظاً على الاستقرار العام، كما على الأمن الوطني الشامل، عسكرياً ومعيشياً واجتماعياً.
2- يثمّن المجلس في هذا السياق، روح الانضباط العام الذي ساد في البلاد، وأهمّية خطاب العيش معاً، خصوصاً في ظل الأزمات والخسارات، على رغم من جسامة الحدث. وهو ما يؤكّد مجدّداً، إجماع اللبنانيِّين كافة، على ثوابت ميثاقية باتت مسلّمات نهائية. أهمُّها الولاء للبنان، واعتبار مصالح اللبنانيِّين العليا، هي وحدها غايتنا ومرجعيّتنا، وأنّ الدولة وحدها هي صاحبة قرار السلم والحرب. وفي هذا الإطار، تمنّى المجلس على وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، التحلّي بروح المسؤولية والحكمة والموضوعية في نقل الأحداث والمواقف السياسية.
3- يطمئن المجلس جميع اللبنانيِّين، إلى توافر المواد والإمكانات اللازمة كافة، لضمان أمنهم الحياتي والمعيشي، من غذاء ودواء وطاقة ونقل واتصالات وسواها.
4- يطلب المجلس من وزارة الأشغال العامة والنقل، العمل على إبقاء الأجواء اللبنانية مفتوحة، مع الأخذ بالاعتبار سلامة المسافرين وتأمين رحلاتهم ذهاباً وإياباً، ومتابعة التطوُّرات وإبلاغ المواطنين.
5- تُكلّف وزارة الخارجية والمغتربين البقاء على تواصل مع البعثات الديبلوماسية في الخارج لمتابعة أوضاع اللبنانيين المنتشرين».
وختم البيان «أخيراً، اتخذ المجلس التوصيات اللازمة بشأن التطوُّرات الأمنية والعسكرية المختلفة، وقرّر إبقاء جلساته مفتوحة للمواكبة. وأبقى المجلس على مقرّراته سرّية تنفيذاً للقانون».
بري ينعى خامنئي
إلى ذلك، نعى رئيس مجلس النواب نبيه بري، السيد الخامنئي، قائلاً: «إنّنا ننعاه إلى الأمّة وكلّ أحرار العالم والمرجعيات الرشيدة في مشارق الأرض ومغاربها، ننعاه إماماً ومرجعاً ومرشداً وقائداً مجاهداً صادقاً ما عاهد الله عليه قضى نحبّه وما بدل تبديلاً، ننعيه شهيداً عظيماً ولا أسمى، تكبر به الأمّة فيشتد ساعدها، فأشرف الموت قتل الشهادة، وإنّنا وأمام هذا الفقد والإرتحال العظيم، نتقدّم من الشعب الإيراني الصديق ومن أُسرة الشهيد الراحل وأبنائه وسائر مقلّديه ومن مراجعنا العظام ومن القيادة الإيرانية، بأحرّ التعازي والتبريك، سائلين الله أن يتغمّد شهيدنا العظيم بواسع رحمته ويسكنه الفسيح من جناته إلى جوار الأولياء والشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقاً».
قاسم: سنقوم بواجبنا
وفي كلمة النعي، قال أمين عام «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم: «إنّنا في «حزب الله» والمقاومة الإسلامية في لبنان وكل المؤيّدين الداعمين لهذا الخط الخميني الأصيل، سنواصل الطريق بعزم وثبات وروحية استشهادية لا تعرف الكلل والملل، ولا ترضى الذل، وسنكون دائماً في طليعة المجاهدين لِتحرير الأرض والإنسان على نهج سيد شهداء الأمة السيد حسن نصرالله. سنقوم بواجبنا في التصدّي للعدوان، واثقين بنصر الله وتسديده وتأييده». وأكّد أنّه «مهما بلغت التضحيات لن نترك ميدان الشرف والمقاومة ومواجهة الطاغوت الأميركي والإجرام الصهيوني للدفاع عن أرضنا وكرامتنا وخياراتنا المستقلة».
لحود: الانتصار للحق
وتوجّه الرئيس الأسبق إميل لحود بالتعزية إلى الشعب الإيراني باستشهاد قائد الثورة الإسلامية علي خامنئي ومجموعة من النخب السياسية والعسكرية. وقال لحود في بيان، إنّ خامنئي «استشهد وهو في مكتبه بين أفراد عائلته، وأصرّ على نيل الشهادة كما كان يردّد مراراً»، معتبراً أنّ اغتياله لن يؤدّي إلى انهيار المسار الذي يقوده، بل سيجعله «أكثر اشتعالاً واستمراراً».
وأضاف أنّ ما جرى يشكّل «سابقة خطيرة في العلاقات الدولية»، منتقداً ما وصفه بـ»آلة القتل التي تخطّت كل المعايير»، ومعتبراً أنّ اغتيال رئيس دولة بهذه الطريقة يمثّل تطوُّراً بالغ الخطورة، في ظل صمت دولي تجاه ما تشهده المنطقة من أحداث دامية تمتد من لبنان إلى غزة وصولاً إلى إيران. وختم لحود بالتأكيد أنّ «الانتصار في النهاية سيكون للحق»، معتبراً أنّ ما تمرّ فيه المنطقة مرحلة قاسية، لكنّ الشعوب المظلومة «ستنتصر في نهاية المطاف».